انتقل إلى المحتوى
مقال قانوني

في اليوم الوطني.. القانون شريكٌ في بناء الوطن

قراءة قانونية في جانب من مسيرة المملكة نحو بناء مؤسسات أكثر رسوخًا وعدالة أكثر كفاءة

اليوم الوطني السعودي مناسبة نستحضر فيها أثر التطور التشريعي والعدلي في المملكة، ودور القانون والمحاماة في حماية الحقوق ودعم التنمية والاستقرار، لكن هذه المناسبة تفتح لنا أيضًا بابًا آخر للتأمل: كيف تُبنى الدولة الحديثة؟ وكيف تتحول التنمية من مشروعات ومنجزات ظاهرة إلى مؤسسات وقواعد تحفظ تلك المنجزات وتضمن استمرارها؟

بالنسبة لنا، نحن المشتغلين بالقانون، يصعب النظر إلى مسيرة المملكة في السنوات الأخيرة من دون التوقف أمام حجم التحول التشريعي والعدلي الذي شهدته البلاد.

فالأنظمة ليست نصوصًا تبقى في الكتب. أثرها يظهر في عقد أُحكمت صياغته، وفي شركة عُرفت حقوق شركائها والتزاماتهم، وفي مستثمر يستطيع أن يتوقع مركزه القانوني، وفي خصومة يعرف أطرافها ما لهم وما عليهم، وفي حق يجد طريقًا أكثر وضوحًا إلى الإثبات والتنفيذ.

وهنا تظهر قيمة القانون في بناء الدولة.

ما الذي تغيّر في الممارسة القانونية؟

من يعمل في المحاماة يلحظ أثر التحولات التشريعية بطريقة مختلفة عن القارئ العام.

قبل سنوات، كانت مسائل كثيرة في المعاملات المدنية والعقود والمسؤولية والتعويض تُناقش بالرجوع إلى القواعد العامة والاجتهادات والمبادئ القضائية. واليوم أصبح بين يدي الممارس نظام المعاملات المدنية، بما يتضمنه من تنظيم واسع للعقد وآثاره، والمسؤولية المدنية، والتعويض، والفسخ، وغير ذلك من المسائل التي تمس جانبًا كبيرًا من التعاملات اليومية.

وهذا التحول مهم.

ليس لأن وجود النص يغني عن الاجتهاد أو عن دور القاضي والمحامي، وإنما لأن وضوح القاعدة القانونية من البداية يقلل مساحة الاختلاف حولها، ويساعد الأفراد والمنشآت على ترتيب علاقاتهم على أساس أكثر استقرارًا.

والأمر نفسه يظهر في نظام الإثبات.

فواقع الخصومة اليوم لم يعد مقتصرًا على ورقة موقعة أو شاهد يحضر إلى المحكمة. رسائل البريد الإلكتروني، والمحادثات، والمستندات الرقمية، والوسائل التقنية أصبحت حاضرة في جانب كبير من النزاعات التجارية والمدنية.

والممارس يعرف تمامًا أن السؤال لم يعد فقط: «هل يوجد دليل؟»، بل أصبح كذلك: ما حجية هذا الدليل؟ وكيف يقدم؟ وما الذي يثبت نسبته إلى صاحبه؟ وما أثره في تكوين قناعة المحكمة؟

وجود تنظيم أكثر وضوحًا لهذه المسائل أحدث فرقًا حقيقيًا في العمل القانوني، لا على مستوى المحاكم وحدها، بل منذ اللحظة التي تبدأ فيها المنشأة بحفظ مراسلاتها وتنظيم مستنداتها وإدارة تعاملاتها.

كما أن التطور الذي شهده نظام الشركات يعكس جانبًا آخر من الفكرة نفسها: القانون لا يأتي بعد النشاط الاقتصادي، بل يسير معه. فكلما تنوعت أشكال الاستثمار وتطورت الأعمال، احتاجت السوق إلى قواعد تستطيع استيعاب هذا التطور وتنظيم العلاقة بين الشركاء والمساهمين والإدارة وأصحاب المصالح.

هذه أمور قد تبدو فنية، لكنها في حقيقتها تمس جوهر التنمية.

فالمستثمر قبل أن يضع أمواله يسأل عن حقوقه. وصاحب المنشأة قبل أن يوقع عقدًا يريد أن يعرف ما الذي يلزمه وما الذي يحميه. والدائن لا تكفيه ورقة تثبت حقه إن لم تكن هناك منظومة قادرة على إنفاذه.

لهذا لا ينفصل الاقتصاد عن القانون.

المحاماة قبل النزاع

التغير في الأنظمة غيّر كذلك نظرتنا إلى وظيفة المحامي.

لا تزال المحاكم والترافع وحماية الحقوق عند النزاع جزءًا أصيلًا من المهنة، وستبقى كذلك. لكن جانبًا مهمًا من العمل القانوني يحدث قبل أن يصل أي طرف إلى قاعة المحكمة.

عندما نراجع عقدًا قبل توقيعه، أو ننبه عميلًا إلى التزام قد يرتب عليه مسؤولية مستقبلية، أو نعيد صياغة شرط غامض، أو ننظم آلية اتخاذ القرار داخل شركة، فنحن في الحقيقة نتعامل مع النزاع قبل أن يولد.

وقد يكون نجاح المحامي أحيانًا في قضية كسبها، وقد يكون نجاحه في قضية لم تقع أصلًا.

وهذه الفكرة في تقديرنا من أهم أدوار المحاماة الحديثة.

فالوقاية القانونية لا تعني المبالغة في الاحتياط، ولا تحويل كل علاقة إلى مجموعة من التحذيرات والقيود. معناها أن تكون الحقوق واضحة، وأن تُفهم المخاطر قبل تحملها، وأن يعرف كل طرف حدود التزامه.

كلما تحقق ذلك، أصبحت العلاقة أكثر استقرارًا، وقلت مساحة النزاع.

ومن هنا نفهم العلاقة بين المهنة وبين بناء الوطن بطريقة مختلفة. فالمحامي لا يبني طريقًا ولا مصنعًا، لكنه يشارك في بناء البيئة التي تعمل فيها المشاريع، وتستقر فيها الحقوق، وتُحترم فيها الالتزامات.

وحب الوطن لا يظهر في الكلمات وحدها؛ بل يظهر أيضًا في أن يتقن الإنسان عمله، ويحفظ حقوق الناس، ويحترم النظام، ويؤدي مسؤوليته بأمانة.

هذه، في نظرنا، واحدة من أجمل المعاني التي يمكن أن نستحضرها في اليوم الوطني.

فالمنجز الوطني لا يُحفظ بالاحتفاء به فقط، بل بالمشاركة في استمراره. وكل مهنة لها نصيبها من هذه المسؤولية.

ونحن في فتيلا للمحاماة والاستشارات القانونية ننظر إلى ما تشهده المملكة من تطور تشريعي وعدلي باعتباره مسؤولية مهنية بقدر ما هو مصدر اعتزاز. فكلما تطورت الأنظمة، ارتفع سقف المعرفة المطلوبة من المحامي، وزادت الحاجة إلى ممارسة قانونية أكثر دقة، وأعمق فهمًا، وأشد التزامًا بأخلاقيات المهنة.

وذلك هو الجانب الذي نرى أنفسنا جزءًا منه: أن نحمي حقًا، أو نمنع نزاعًا، أو نوضح مركزًا قانونيًا، أو نساعد صاحب قرار على أن يتخذ قراره وهو أكثر إدراكًا لآثاره.

قد تبدو هذه أعمالًا صغيرة إذا قورنت بالمشروعات الوطنية الكبرى، لكنها حين تتكرر كل يوم، وفي كل منشأة ومؤسسة ومكتب، تصبح جزءًا من بناء أكبر.

وفي يوم الوطن، نفخر بما وصلت إليه المملكة، وبما تشهده من تطور في مؤسساتها وأنظمتها وقضائها، ونسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ـ حفظهما الله ـ وأن يديم على المملكة أمنها واستقرارها وازدهارها.

كل عام والمملكة العربية السعودية وطنًا راسخًا، وطموحًا متجددًا، ومستقبلًا يليق بأبنائها.

فتيلا للمحاماة والاستشارات القانونية

تعليقات الزوار والنقاش

أضف تعليقك

لن يظهر بريدك الإلكتروني للزوار. الحقول المشار إليها بـ * مطلوبة.

تواصل معنا فريقنا على استعداد لخدمتكم
[email protected]